حقوق الجوار
التآزر والتعاطف:
لقد جهد الاسلام في حث المسلمين وترغيبهم في التآزر والتعاطف، ليجعلهم امة مثالية في اتحادها وتعاضدها على تحقيق اهدافها، ودفع الازمات والاخطار عنها.
ودأب على غرس تلك المفاهيم السامية في نفوس المسلمين ليزدادوا قوة ومنعة وتجاوباً في أحاسيس الود ومشاعر الاخاء.
«محمد رسول اللّه، والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم».
(الفتح: 29)
«وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان».
(المائدة: 2)
وكان من ذلك تحريض المسلمين على حسن الجوار ورعاية الجار، لينشئ من المتجاورين جماعة متراصة متعاطفة تتبادل اللطف والاحسان، وتتعاون على كسب المنافع ودرء المضار، ليستشعروا بذلك الدعة والرخاء والقوة على معاناة المشاكل والاحداث.
ولقد أوصى القرآن الكريم برعاية الجار والاحسان اليه فقال:
«واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم» (النساء: 36).
{
459 }والمراد - بالجار ذي القربى - الجار القريب داراً أو نسباً - والجار الجنب - هو البعيد جواراً أو نسباً.
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: كل اربعين داراً جيران من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله»(1).
و - الصاحب بالجنب - الرفيق في السفر، أو الزميل في التعليم، او في الحرفة.
و - ابن السبيل - المسافر أو الضيف.
- وما ملكت ايمانكم - الأهل والخدم.
وناهيك في حرمة الجار وضرورة رعايته قول النبي صلى اللّه عليه وآله فيه: «ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»(2).
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
«حسن الجوار يعمر الديار، وينسئ في الاعمار» (3).
وقال الصادق عليه السلام، «ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره»(4).
وعن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
« ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، وما من اهل قرية يبيت فيهم جائع ينظر اللّه اليهم يوم القيامة» (5).
_____________________
(1) الوافي. ج 3 ص 97 عن الكافي.
(2) الوافي. ج 3 ص 96 عن الفقيه.
(3)، (4)، (5) الوافي ج 3 ص 96 عن الكافي.
{
460 }وقال الصادق عليه السلام: «ان يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى يا رب أما ترحمني، أذهبت عيني، وأذهبت ابني. فأوحى اللّه تعالى اليه: لو امتهما لاحييتهما لك حتى اجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها، وشويتها واكلت، وفلان الى جانبك صائم لم تنله منها شيئاً»(1).
وفي رواية أخرى قال: «وكان بعد ذلك يعقوب ينادي مناديه كل غداة من منزله على فرسخ، ألا من أراد الغداء فليأت الى يعقوب. وإذا امسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت الي يعقوب»(2).
حقوق الجار:
وخلاصتها ان يساس الجار باللطف وحسن المداراة، كابتدائه بالسلام وعيادته في المرض، وتهنئته في الافراح، وتعزيته في المصائب، وعدم التطلع الى حرمه، والاغضاء عن هفواته، وكف الاذى عنه، واعانته مادياً اذا كان معوزاً، واعادة ما يستعيره من الادوات المنزلية، ونصحه اذا ما زاغ وانحرف عن الخط المستقيم.
ومن طريف ما يحكى في حسن الجوار:
«إن رجلاً كان جاراً لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة، وركبه دين فادح حتى احتاج الى بيع داره، فساوموه فيها، فسمى لهم الف
_____________________
(1) - (2) الوافي ج 3 ص 96 عن الكافي.
{
461 }دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار. فقال: ابيع داري بخمسمائة، وجوار ابي دلف بخمسمائة، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر بقضاء دينه ووصله، وقال: لاتنتقل من جوارنا. فانظر كيف صار الجوار يباع كما تباع العقار».
* * *
<>