العُجب
وهو استعظام الاسنان نفسه، لاتصافه بخلة كريمة، ومزية مشرّفة، كالعلم والمال والجاه والعمل الصالح.
ويتميز العجب عن التكبر، بأنه استعظام النفس مجرداً عن التعالي على الغير، والتكبر هما معاً.
والعُجب من الصفات المقيتة، والخلال المنفّرة، الدّالة على ضعة النفس، وضيق الأفق، وصفاقة الأخلاق، وقد نهت الشريعة عنه، وحذّرت منه.
قال تعالى: «فلا تزّكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى»(1).
وقال الصادق عليه السلام: «من دخله العُجب هلك»(2)
وعنه عليه السلام قال: «قال ابليس لعنه اللّه لجنوده: اذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل، فإنه غير مقبول منه، إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه، ودخله العُجب»(3).
_____________________
(1) النجم: 32.
(2) الوافي ج 3 ص 151 عن الكافي.
(3) البحار م 15 ج 3 موضوع العجب بالأعمال عن الخصال للصدوق.
{
140 }وقال الباقر عليه السلام: «ثلاث هن قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه»(1).
وقال الصادق عليه السلام: «أتى عالم عابداً فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يُسأل عن صلاته؟ وأنا أعبد اللّه تعالى منذ كذا وكذا، قال: فكيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي. فقال له العالم: فإن ضحكك وأنت خائف خير (أفضل خ ل) من بكائك وأنت مُدِل، إنّ المدل لا يصعد من عمله شيء»(2).
وعن أحدهما عليهما السلام، قال: «دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد، والفاسق صدّيق، والعابد فاسق، وذلك: أنه يدخل العابد المسجد مدلاً بعبادته، يُدلّ بها، فيكون فكرته في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه، ويستغفر اللّه تعالى لما ذَكَرَ من الذنوب»(3).
وعن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهم السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: لولا أنّ الذنب خير للمؤمن من العجب، ما خلّى اللّه بين عبده المؤمن وبين ذنب أبداً»(4).
والجدير بالذكر: أنّ العُجب الذميم هو استكثار العمل الصالح،
_____________________
(1) البحار م 15 ج 3 موضوع العجب بالأعمال عن الخصال للصدوق.
(2) الوافي ج 3 ص 151 عن الكافي.
(3) الوافي ج 3 ص 151 عن الكافي.
(4) البحار م 15 ج 3 بحث العجب عن أمالي أبي علي ابن الشيخ الطوسي.
{
141 }والإدلال به، أما السرور به مع التواضع للّه تعالى، والشكر له على توفيقه لطاعتِه، فذلك ممدوح ولا ضير فيه.
مساوئ العجب:
للعجب أضرار ومساوئ:
1 - إنه سبب الأنانية والتكبر، فمن أعجب بنفسه إزدهاه العُجب، وتعالى على الناس، وتجبّر عليهم، وذلك يسبب مقت الناس وهوانهم له.
2 - إنه يعمي صاحبه عن نقائصه ومساوئه، فلا يهتم بتجميل نفسه، وملافاة نقائصه، مما يجعله في غمرة الجهل والتخلف.
3 - إنه باعث على استكثار الطاعة، والإدلال بها، وتناسي الذنوب والآثام، وفي ذلك أضرار بليغة، فتناسي الذنوب يعيق عن التوبة والانابة الى اللّه عز وجل منها، ويعرّض ذويها لسخطه وعقابه، واستكثار الطاعة والعبادة يكدّرها بالعُجب والتعامي عن آفاتها، فلا تنال شرف الرضا والقبول من المولى عز وجل.
علاج العُجب:
وحيث كان العُجب والتكبر صنوين من أصل واحد، وإن اختلفا في الاتجاه، فالعجب كما أسلفنا استعظام النفس مجرداً عن التعالي، والتكبر
{
142 }هما معاً، فعلاجهما واحد، وقد أوضحناه في بحث التكبر.
وجدير بالمعجب بنفسه، أن يدرك أن جميع ما يبعثه على الزهو والاعجاب من صنوف الفضائل والمزايا، إنما هي نعم إلهية يسديها المولى الى من شاء من عباده، فهي أحرى بالحمد، وأجدر بالشكر من العجب والخيلاء.
وهي الى ذلك عرضة لصروف الأقدار، وعوادي الدهر، فما للانسان والعجب!!
ومن طريف ما نقل عن بعض الصلحاء في ملافاة خواطر العجب:
قيل: إن بعضهم خرج في جنح الظلام متجهاً الى بعض المشاهد المشرفة، لأداء مراسم العبادة والزيارة، فبينا هو في طريقه إذ فاجأه العجب بخروجه سحراً، ومجافاته لذة الدفء وحلاوة الكرى من أجل العبادة.
فلاح له آنذاك، بائع شلغم فانبرى نحوه، فسأله كم تربح في كسبك وعناء خروجك في هذا الوقت؟ فأجابه: درهمين أو ثلاث، فرجع الى نفسه مخاطباً لها علام العجب؟ وقيمة إسحاري لا تزيد عن درهمين أو ثلاث.
ونقل عن اخر: أنه عمل في ليلة القدر أعمالاً جمةً من الصلوات والدعوات والأوراد، استثارت عُجبه، فراح يعالجه بحكمة وسداد: فقال لبعض المتعبدين: كم تتقاضى على القيام بأعمال هذه الليلة، وهي كيت وكيت. فقال: نصف دينار، فرجع الى نفسه مؤنباً لها وموحياً اليها، علام العُجب وقيمة أعمالي كلها نصف دينار؟
{
143 }اليقين:
وهو: الاعتقاد باُصول الدين وضروراته، اعتقاداً ثابتاً، مطابقاً للواقع، لا تزعزعه الشبه، فإن لم يطابق الواقع فهو جهل مركب.
واليقين هو غرّة الفضائل النفسية، وأعزّ المواهب الإلهيّة، ورمز الوعي والكمال، وسبيل السعادة في الدارين. وقد أولته الشريعة اهتماماً بالغاً ومجّدت ذويه تمجيداً عاطراً، واليك طرفاً منه:
قال الصادق عليه السلام: «إنّ الإيمان أفضل من الاسلام، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من اليقين»(1).
وقال عليه السلام: «إنّ العمل الدائم القليل على اليقين، أفضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين»(2).
وقال الصادق عليه السلام: «من صحة يقين المرء المسلم، أن لا يُرضي الناس بسخط اللّه، ولا يلومهم على ما لم يأته اللّه، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يردّه كراهية كاره، ولو أن أحدكم فرّ من رزقه كما يفر من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت».
_____________________
(1) البحار م 15 ج 2 ص 57 عن الكافي.
(2) البحار م 15 ج 2 ص 60 عن الكافي.
{
144 }ثم قال: «إنّ اللّه بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشك والسخط»(1).
وعنه عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «لا يَجدُ عبد طعم الايمان، حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وانّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وان الضار النافع هو اللّه تعالى»(2).
وسُئل الامام الرضا عليه السلام عن رجل يقول بالحق ويسرف على نفسه، بشرب الخمر ويأتي الكبائر، وعن رجل دونه في اليقين وهو لا يأتي ما يأتيه، فقال عليه السلام: أحسنهما يقيناً كالنائم على المحجة، اذا انتبه ركبها، والأدون الذي يدخله الشك كالنائم على غير طريق، لا يدري اذا انتبه أيّهما المحجّة»(3).
وقال الصادق عليه السلام: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله صلى بالناس الصبح، فنظر الى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه، مصفراً لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول اللّه موقناً، فعجب رسول اللّه من قوله، وقال له: إن لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟
فقال: إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر الى
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 54 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 54 عن الكافي.
(3) سفينة البحار ج 2 ص 734 عن فقه الرضا.
{
145 }عرش ربي، وقد نصب للحساب، وحُشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم، وكأني أنظر الى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون، على الأرائك متكئون، وكأني أنظر الى أهل النار وهم فيها معذَّبون، مصطفون، وكأن الآن استمع زفير النار يدور في مسامعي.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأصحابه: هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالايمان، ثم قال له: إلزَم ما أنت عليه، فقال الشاب: أدع اللّه لي يا رسول اللّه أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول اللّه فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي فاستُشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر»(1).
خصائص الموقنين:
متى ازدهرت النفس باليقين، واستنارت بشعاعه الوهّاج، عكست على ذويها ألواناً من الجمال والكمال النفسيين، وتسامت بهم الى أوج روحي رفيع، يتألقون في آفاقه تألق الكواكب النيرة، ويتميزون عن الناس تميز الجواهر الفريدة من الحصا.
فمن أبرز خصائصهم ومزاياهم، أنك تجدهم دائبين في التحلي بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وتجنب رذائلها ومساوئها، لا تخدعهم زخاف الحياة، ولا تلهيهم عن تصعيد كفاءاتهم ومؤهلاتهم الروحية لنيل الدرجات الرفيعة، والسعادة المأمولة في الحياة الاخروية، فهم متفانون في طاعة اللّه
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 33 عن الكافي.
{
146 }عز وجل، ابتغاء رضوانه، وحسن مثوبته، متوكلون عليه، في سراء الحياة وضرائها، لا يرجون ولا يخشون أحداً سواه، ليقينهم بحسن تدبيره وحكمة أفعاله.
لذلك تستجاب دعواتهم، وتظهر الكرامات على أيديهم، وينالون شرف الحظوة والرعاية من اللّه عز وجل.
درجات الايمان:
ويحسن بي وأنا أتحدث عن اليقين أن أعرض طرفاً من مفاهيم الايمان ودرجاته، وأنواعه إتماماً للبحث وتنويراً للمؤمنين.
يتفاضل الناس في درجات الإيمان تفاضلاً كبيراً، فمنهم المجلّي السباق في حلبة الايمان، ومنهم الواهن المتخلف، ومنهم بين هذا وذاك كما صوّرته الرواية الكريمة:
قال الصادق عليه السلام: «إن الايمان عشر درجات، بمنزلة السُلّم، يُصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لَستَ على شيء، حتى ينتهي الى العاشرة، فلا تُسقط من هو دونك، فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه اليك برفق، ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فإنّ من كسر مؤمناً فعليه جبره»(1).
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 30 عن الكافي.
{
147 }أنواع الايمان:
ينقسم الايمان الى ثلاثة أنواع: فطري، ومستودع، وكسبي.
1 - فالفطري: هو ما كان هبة إلهية، قد فطر عليه الانسان، كما في الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، فانهم المثلُ الأعلى في قوة الايمان، وسمو اليقين، لا تخالجهم الشكوك، ولا تعروهم الوساس.
2 - المستودع وهو: ما كان صوريّاً طافياً على اللسان، سرعان ما تزعزعه الشبه والوساوس، كما قال الصادق عليه السلام: «إن العبد يصبح مومناً، ويمسي كافراً، ويصبح كافراً، ويمسي مؤمناً، وقوم يعارون الايمان ثم يلبسونه، وُيسمون المُعارين»(1).
وقال عليه السلام: «إن اللّه تعالى جبَل النبييّن على نبوتهم، فلا يرتدّون أبداً، وجَبَل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الايمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أعير الايمان عارية، فاذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الايمان»(2).
وهكذا تعقب الامام الصادق عليه السلام على حديثيه السالفين بحديث ثالث بجعله مقياساً للتمييز بين الايمان الثابت من المستودع، فيقول: إنّ الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصره ولم يدر ما الأمر الذي هو عليه مقيم، أنفع له أم ضرّ، قلت (الراوي) فَبِم يُعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك؟
_____________________
(1) ، (2) الوافي ج 3 ص 50 عن الكافي.
{
148 }قال: «من كان فعله لقوله موافقاً، فأثبت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً، فإنما ذلك مستودع»(1).
3 - الكسبي: وهو الايمان الفطري الطفيف الذي نمّاه صاحبه واستزاد رصيده حتى تكامل وسمى الى مستوى رفيع، وله درجات ومراتب.
واليك بعض الوصايا والنصائح الباعثة على صيانة الجزء الفطري من الايمان، وتوفير الكسبي منه:
1 - مصاحبة المؤمنين الأخيار، ومجانبة الشقاة والعصاة، فإن الصاحب متأثر بصاحبه ومكتسب من سلوكه وأخلاقه، كما قال الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
2 - ترك النظر والاستماع الى كتب الضلال، وأقوال المضلين، المولعين بتسميم أفكار الناس وحرفهم عن العقيدة والشريعة الاسلاميتين، وإفساد قيم الايمان ومفاهيمه في نفوسهم.
3 - ممارسة النظر والتفكر في مخلوقات اللّه عز وجل، وما اتصفت به من جميل الصنع، ودقة النظام، وحكمة التدبير، الباهرة المدهشة «وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون«(2).
4 - ومن موجبات الايمان وتوفير رصيده، جهاد النفس، وترويضها على طاعة اللّه تعالي، وتجنب معاصيه، لتعمر النفس بمفاهيم الايمان، وتشرق بنوره الوضّاء، فهي كالماء الزلال، لا يزال شفافاً رقراقاً، ما لم تكدره
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 50 عن الكافي.
(2) الذاريات (20 - 21).
{
149 }الشوائب فيغدو آنذاك آسناً قاتماً لا صفاء فيه ولا جمال. ولولا صدأ الذنوب، وأوضار الآثام التي تنتاب القلوب والنفوس، فتجهم جمالها وتخبئ أنوارها، لاستنار الأكثرون بالايمان، وتألقت نفوسهم بشعاعه الوهّاج. «ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها»(1).
وقال الصادق عليه السلام: «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نُكته سوداء، فان تاب إنمحت، وإن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً»(2).
_____________________
(1) الشمس (7 - 10).
(2) الوافي ج 3 ص 167 عن الكافي.
<>